
المهندس محمد دندشلي
في خضم الأزمات التي تعيشها المدينة وما اكثرها، والإرث الثقيل الذي ورثته البلدية من التراكمات ….
ليس السؤال اليوم ما إذا كانت صيدا تحتاج إلى مرفئها. هي بالتأكيد تحتاج إليه، لا بل يمكن للمرفأ أن يكون أحد أهم عناصر ازدهارها وقوتها الاقتصادية .
لكن السؤال الذي بات من الضروري طرحه هو: أي مرفأ يلاءم صيدا؟ وبأي ثمن تدفع المدينة كلفة بقائه على صورته الحالية؟
منذ سنوات طويلة يعمل مرفأ صيدا بعيداً عن أي نقاش عام جدي ومسؤول حول دوره الاقتصادي، ومستقبله، وعلاقته بالمدينة. تدخل السفن وتخرج، تتحرك الشاحنات، تُصدَّر الخردة، وتصل بين الحين والآخر بواخر تحمل مواد مختلفة، فيما تكاد المدينة وبلديتها لا تعرفان شيئاً واضحاً عن حجم هذه الحركة، ولا مردودها الاقتصادي، ولا إيرادات المرفأ وعائداته، ولا فرص العمل التي يولدها فعلياً.
لكن ما يعرفه ابن البلد جيداً هو الكلفة التي يراها ويدفعها كل يوم أمام عينيه.
شاحنات ثقيلة تعبر طرقاً لم تُنشأ أساساً لتحمل هذا النوع والكثافة من الحركة، ضغط متواصل على شبكة الطرق، تدهور في الأسفلت، غبار وضجيج وتلوث، واختناقات مرورية تتداخل فيها حركة المرفأ مع حركة المدينة اليومية.
يكفي أن تمر في محيط المرفأ والطرق المؤدية إليه لتشعر أحياناً وكأنك تدخل منطقة منكوبة، لا واجهة مدينة متوسطية تستعد لأن تكون في العام المقبل عاصمة للثقافة والحوار في المتوسط: طرق منهكة، شاحنات وخردة ومعدات قديمة، ومساحات فقدت الكثير من انتظامها وصورتها الحضارية.
وهنا تكمن واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً:
الأسفلت يُفلش في محيط المدينة، فيما طرقاتها وشوارعها مزروعة بالحفر والحصى.
- [ ] المرفأ الذي يُفترض أن يكون رافعة للمدينة أصبح، بصورته الحالية، يحمّل المدينة جزءاً كبيراً من كلفته، من دون أن تعرف المدينة بوضوح ، على ماذا تحصل في المقابل.
فإذا كانت مئات، وربما آلاف، الشاحنات الثقيلة سنوياً تستخدم طرق صيدا وتستهلك بنيتها التحتية، فمن يتحمل كلفة صيانتها؟
منذ شهور والمجلس البلدي ينتظر حصة المدينة من الأسفلت… وعود تليها وعود، فيما الشاحنات لا تنتظر.
وإذا كان المرفأ يحقق إيرادات، فما حجمها؟
وما حجم البضائع التي تدخل إليه وتخرج منه سنوياً؟ وكم تشكل الخردة منها؟ وكم وظيفة مباشرة وغير مباشرة يولدها؟ وما حجم مساهمته الفعلية في اقتصاد صيدا؟ وما الذي يدخل منه إلى الخزينة العامة؟ والأهم: ماذا يعود على المدينة التي تتحمل آثاره المباشرة؟
هذه ليست أسئلة عدائية تجاه المرفأ، بل على العكس تماماً.
نحن نريد المرفأ، ولكننا نريد مرفأً يليق بصيدا.
نريد مرفأً منتجاً وحديثاً، له وظيفة اقتصادية واضحة، ومعدات وبنية تشغيلية تليق بالتطور الذي نعيشه اليوم ، وحركة شاحنات منظمة ومسارات مدروسة، لا تحوّل شوارع المدينة إلى امتداد لساحاته.
وما يزيد القلق أن مرفقاً بهذا الحجم والأهمية بقي طويلاً، ولا يزال، من دون مجلس إدارة فاعل، فيما معداته ومنشآته تتقادم، والسنوات تمر، والمدينة لا تعرف إلى أين يتجه.
لذلك لم يعد مقبولاً أن يستمر التعامل مع مرفأ صيدا كجزيرة منفصلة عن المدينة.
المطلوب، قبل الحديث عن أي توسعة أو تطوير أو مستقبل للمرفأ، كشف حساب واضح وعلني:
ماذا فعل المرفأ خلال السنوات الماضية؟ ماذا استقبل وماذا صدّر؟ كم بلغت إيراداته ونفقاته؟ ما حال معداته ومنشآته؟ ما حجم حركة الشاحنات الناتجة عنه؟ وما الكلفة التي تتحملها البنية التحتية للمدينة نتيجة هذه الحركة؟
ثم يأتي السؤال الأكبر:
ماذا نريد من مرفأ صيدا خلال السنوات العشرين المقبلة؟
هل نريده أن يبقى مرفأً يغلب عليه تصدير الخردة وبعض النشاط التجاري المتقطع؟
أم نريده جزءاً من مشروع اقتصادي حقيقي لصيدا والجنوب؟
إن صيدا لا تستطيع أن تفصل مستقبل مرفئها عن مستقبل واجهتها البحرية، ولا عن شبكة طرقها، ولا عن الأراضي المحيطة به، ولا عن اقتصادها وسياحتها وبيئتها.
والمطلوب ليس إقفال المرفأ ولا محاربته. بل العكس تماماً: إنقاذ المرفأ من التهميش، وإنقاذ المدينة من فوضى العلاقة معه.
لقد حان الوقت لأن تجلس الدولة وإدارة المرفأ وبلدية صيدا والجهات الاقتصادية والاختصاصيون حول طاولة واحدة، وأن توضع الأرقام أمام الجميع، ثم يُطرح السؤال بوضوح:
كم تعطي صيدا للمرفأ، وكم يعطي المرفأ لصيدا؟
فالمرفأ ليس مجرد رصيف ترسو عليه السفن، ولا ساحة لتجميع الخردة، ولا ممراً للشاحنات.
إنه جزء من المدينة، واقتصاده يجب أن يكون جزءاً من اقتصادها، وتطوره جزءاً من تطورها، وكلفته جزءاً من حساب واضح وعادل بينها وبينه.
أما اليوم، فمن الواضح أن صيدا تدفع ثمن مرفئها… لكنه من غير الواضح من يقبض العائد!
فإما أن يصبح المرفأ جزءاً من نهضة المدينة،
أو سيبقى، كما هو اليوم، عبئاً ثقيلاً يستنزف طرقها وبنيتها التحتية وواجهتها البحرية.
وعندها يصبح السؤال مشروعاً، بل واجباً:
هل المرفأ في خدمة المدينة… أم المدينة في خدمة المرفأ ؟
***رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا


